بعد مضي أكثر من ساعة منذ بداية الحوار التاريخي، في مبنى السجن الفيدرالي في كوريتيبا في البرازيل، شعر الرئيس السابق لولا دا سيلفا بالارتياح وانطلق في الحديث.

“دعني  أحكي لك عن إيران”.

دا سيلفا، الذي دخل السجن منذ أكثر من 500 يومًا كجزء من عملية انقلاب سياسي معقدة، بدأ يروي  تفاصيل مفاوضات سياسية تمت على أعلى مستوى. وركز دا سيلفا على العلاقة المركبة بين البرازيل والولايات المتحدة، ونعرض هنا ثلاث أمثلة:

عن العلاقة مع الولايات المتحدة بصفة عامة قال دا سيلفا: “يعتقد الناس أنني غضبان من الأمريكان. على العكس، كانت بيننا علاقة سياسية صحية جدًا، وهو ما يجب أن يكون الأمر عليه بالنسبة للبرازيل، لكن أن نكون خاضعين، أبدًا”.

خلاف مع هيلاري

عن التعامل مع جورج بوش، باراك أوباما وهيلاري كلينتون يقول دا سيلفا: “بوش تقبل الأفكار بارتياح أكثر من أوباما، الذي كان أكثر حدة مع البرازيل. أنا واثق أن كلينتون لا تحب أمريكا اللاتينية، ولم تحب البرازيل. اختلفت معها مرتين، مرة في اجتماع في ترينيداد وتوباجو، ثم مرة أخرى في كوبنهاجن [خلال مؤتمر المناخ]. وصلت متأخرة، وتعاملت بتعالٍ مع الناس. قلت لها، ‘سيدتي، انتظري. لم يجئ دورك بعد. أنا هنا منذ ثلاثة أيام.’ المشاكسة والغرور لدى الأمريكان تزعجني، حتى وأنا أعتقد أن الولايات المتحدة دومًا دولة مهمة، ويجب علينا أن نحافظ على علاقة جيدة بها”.

عن الحرب الهجينة: “حاولنا أن ننظم المخابرات في القوات الجوية والبحرية مع البوليس الفدرالي، لكن كان يوجد بينهم صراعات غاية في الجدية. من عنده المعلومات، لديه السلطة، لذا لا يريد أي طرف أن يشارك معلوماته مع المنافس…تصورت أنه بعدما أصبح واضحًا [من تسريبات إدوارد سنودن عن مراقبة وكالة الأمن القومي] أن…الولايات المتحدة تحقق في البرازيل…تصورت أنه سوف يكون لنا موقف أقوى، يمكن أن نتكلم مع الروس أو الصينيين، لإنشاء منظومة حماية أخرى. مبادرتنا السياسية الأساسية كانت سفر ديلما فانا روسيف [الرئيسة البرازيلية في ذلك الوقت] إلى الولايات المتحدة، لكن يبدو لي أن أوباما كان له تأثير محدود”.

أوباما شابًا

“كان رائعًا، كانت لدى أوباما قدرة  على إلقاء خطابات جميلة، لكن في اليوم التالي، لا شئ يحدث، لا شئ، لا شئ. أعتقد أن الولايات المتحدة كانت كبيرة على أوباما، كان شابًا، خبرته محدودة. وأنت تعلم أن وزارة الخارجية الأمريكية قوية للغاية…أعتقد أن أوباما كان رجلًا جيدًا. عندما ذهبت لزيارته أول مرة…تركته بشكوك باقية: لم يكن هناك أحدٌ بنفس مستواه في الاجتماعات. قلت لنفسي، ‘هذا الرجل لا يضاهيه أحد هنا’. وفي حوارنا قلت، ‘أوباما، أنت ربما الرئيس الأمريكي الذي لديه أكبر فرصة لإحداث تغيير في هذا البلد. لأن كل ما تحتاجه هو جرأة الأمريكان السود الذين أعطوك أصواتهم. الناس بالفعل أعطتك الجرأة. استغل هذا الأمر’…لكن بعد ذلك، لم يحدث شئ”.

وفي هذا السياق، تحدث دا سيلفا عما وراء الاتفاق النووي مع إيران، الذي زرعت بذرته في طهران عام 2010 من قبل إيران والبرازيل وتركيا، لتبادل الوقود النووي، عدة سنوات قبل التوصل لخطة العمل الشاملة المشتركة في فيينا في عام 2015 من قبل الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن، بالإضافة إلى ألمانيا.

وسوف يذكر التاريخ أنه قبل أن يسحق الرئيس دونالد ترامب خطة العمل الشاملة المشتركة، حاولت كلينتون تعطيل الاتفاق الأصلي بعد التوصل إليه بأقل من 24 ساعة، منادية مجلس الأمن، في ذلك الوقت، بتقديم جولة جديدة من العقوبات على إيران. 

وكان دا سيلفا قد قال لكلينتون في عام 2010، إنه “لم يكن من الحكمة دفع إيران باتجاه الحائط”. 

إذًا ماذا حدث بالفعل في طهران؟

لقاء خامنئي وأحمدي نجاد

“كنت في نيويورك، و[محمود] أحمدي نجاد [الرئيس الإيراني في ذلك الوقت] لم يستلطفني. تعامل معي باحترام، لكن علاقته المفضلة هنا في القارة كانت مع [رئيس بوليفيا] إيفو مورالس وصديقي [رئيس فنزويلا هوجو] شافيز…ثم في أحد الأيام في نيويورك، قررت أن أتحدث إلى أحمدي نجاد، لأنه قد قال إنها كذبة أن 6 ملايين يهودي ماتوا. قلت له، ‘أنظر، أحمدي نجاد، أنا أتيت هنا لأني أردت معرفة إذا أنت بالفعل قلت إن اليهود يريدون أن يكونوا أبطالًا لأنهم ماتوا بالحرب. أريد أن أقول لك أمرًا: اليهود لم يموتوا في الحرب. اليهود كان ضحايا مذبحة. لم يكونوا جنودًا يحاربون. كانوا إناسًا، رجالًا ونساءً وأطفالًا أحرار،  تم أخذهم إلى معسكرات اعتقال وقتلهم، هذا أمر مختلف’.”

“قال لي، ‘أعلم’، فقلت له، ‘إذا كنت تعلم إذًا قل هذا للجميع، لا يمكن إنكار أن 6 ملايين شخص قتلوا’….وأثناء هذا الحوار قلت، ‘أود أن أذهب إلى طهران للتحدث حول القنبلة النووية. ماذا أريد منك؟ أريد أن يكون لك نفس الحق الذي تملكه البرازيل التي تخصب اليورانيوم للبحث العلمي ولأغراض سلمية. أريدك أن تخصب اليورانيوم على غرار ما تفعله البرازيل. لكن إذا كان يوجد قنبلة ذرية فأنا إذًا ضد هذا الأمر’.”

المرشد الأعلى لإيران آيات الله خامنئي يتحدث في طهران بتاريخ فبراير/شباط 2019.
AFP / Anadolu / Religious Leader’s Press Office

“بعد ذلك، أرسلت [وزير الخارجية] سيلسو اموريم ليسبقني عدة مرات. وطورنا علاقتنا بتركيا. كان الأمر مضحكًا. قابلت العظيم آيات الله الخامنئي، عقدت اجتماعًا معه، أعتقد أنه وقع بغرامي، لأني حكيت له قصة حياتي. عندما حكيت له أنني أكلت خبزًا لأول مرة وأنا في السابعة من عمري، فكرت أني كسبت هذا الرجل. وأظهر [خامنئي] لنا اهتمامًا شديدًا . تحدثنا لأكثر من ساعتين. بعد ذلك، تركت خامنئي وذهبت للحديث مع رئيس مجلس النواب؛ وكان يشبه القيصر. بعد ذلك، ذهبت للعشاء مع أحمدي نجاد، بينما كان اموريم يتفاوض مع رئيس الوزراء”.

“لم يدخل أحمدي نجاد في صلب الموضوع، وقلت له ‘دعني  أقول لك أمرًا’. وكان بيننا مترجمان: أحدهما ترجم عنه إلى الإنكليزية، ، وسيسلو ترجم لي عن الإنكليزية. قلت، ‘أنت تعلم أن الأمريكان عنفوني لوجودي هنا. السيدة كلينتون اتصلت بأمير قطر ليقول لي إنه لا يمكنني المجئ، وإنه سوف يتم خداعي. وعندما ذهبت إلى موسكو، [الرئيس في ذلك الوقت، دميتري ميدفيديف] قال إن كلينتون كلمته وطلبت منه إبلاغي ألا أذهب [لأن] الإيرانيين كاذبون’. وكان يوجد نكتة إعلامية: سألوا عن احتمال التوصل إلى صفقة، ميدفيديف قال 10 بالمئة وأنا قلت 99 بالمئة – سوف نذهب وهناك وسوف نقوم بهذا الأمر”.

أوباما متوترًا

“بعد ذلك وصلت، كنت جالسًا مع أحمدي نجاد، وقلت ‘أهلًا أيها الرجل الصغير [ضحك]، أنت تعلم أنه بوجودي هنا أنا أخسر أصدقائي. أوباما يتعامل مع بتوتر – أوباما كان الأكثر توترًا بينهم جميعًا، أنجيلا ميركل لا تريدني هنا. الوحيد الذي لا يمانع هو [الرئيس الفرنسي في ذلك الوقت نيكولاس] ساركوزي، وأنا جئت هنا لأني أعتقد أن إيران بلد مهم جدًا، ليس فقط من أجل سكانها لكن من أجل ثقافتها أيضًا. وأنا لا أريد أن تعاني إيران من تبعات الحصار لأن الحصار أسوء من الحرب. في الحرب، يقتل الجنود. لكن في الحصار يقتل الأطفال والمرضى”.

“كانت الساعة قد وصلت العاشرة مساءًا وقلت وقتها، ‘لن أرحل من هنا بدون صفقة’. حتى هذه اللحظة، لم يكن هناك فرصة لصفقة. بحلول منتصف الليل، كنت أناقش أمورًا مع مساعديني في الفندق. كنت حتى أتخيل عناوين الأخبار في البرازيل ضد رحلتي. لكن سيسلو وصل في الواحدة صباحًا وقال، ‘سوف يكون هناك صفقة’.”

“ثم ذهبنا هناك اليوم التالي، تحدثنا كثيرًا، كان يوجد شخص هو مساعد لأحمدي نجاد، ودائمًا يهمس بأذنه، وأحمدي نجاد طالب بتغيير كلمة. بعدها قلت ‘تبًا، أخرجوا هذا الرجل من هنا. كلما جاء هنا تغير رأيك. بعدها قال لي، لولا، هل يمكننا أن نكتب اتفاقية بدون توقيعها؟ فقلت ، لا…هل تعلم ما يتصوره ساركوزي عنك؟ هل تعلم ما يتصوره أوباما عنك؟ هل تعلم ما تتصوره أنجيلا ميركل عنك؟ جميعهم يعتقدون أن الإيرانيين  كاذبون. لذلك، في البرازيل، لدينا مقولة تدعى ‘الأسود على الأبيض’. يجب أنتوقع . لذا وافق، ووقعنا البرازيل وهو [إيران] وتركيا”.

دا سيلفا والرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما أثناء محادثات مع الصين وزعماء آخرين في كوبنهاجن في ديسمبر/كانون الأول 2009.
AFP / Jewel Samad

لا كلام، لا صفقة

“أنا تخيلت أنه سوف يتم دعوتي إلى البيت الأبيض، أو إلى برلين من قبل أنجيلا ميركل…لذا تخيل كم تفاجأت عندما كانوا متوترين بشدة. أتعرف هذا الطفل الذي يذهب إلى المدرسة، ويحقق درجات مرتفعة، ويقول لأمه فتظن أمه أن هذا أمر سئ؟ أعتقد أنهم غضبوا لأن لا يمكن للبرازيل أن تحقق ما لم يحققوه. بدأوا يتحدثون عنا بشكلٍ سيئ، ، هل تعلم ماذا فعلت؟ أخذت رسالة كان أوباما قد أرسلها، قائلًا بها ما سوف يكون جيدًا للولايات المتحدة. ونشرت وكالة رويترز للأخبار الرسالة. ما كان  بهذه الرسالة هو نفسه ما تم في الصفقة التي توصلنا إليها”.

“ولم تكن كلينتون على علم برسالة أوباما…فيما بعد، كنت في اجتماع لمجموعة العشرين، وذهبت لأنجيلا ميركل وقلت، ‘هل تكلمتي مع أحمدي  نجاد؟ وذهبت إلى ساركوزي وقلت له هل تكلمت مع أحمدي نجاد؟ لا. ثم ذهبت إلى أوباما وسألته، هل تكلمت مع أحمدي نجاد، لا. ‘تبًا، كيف تريدون صفقة، لكن لا تريدون الحوار؟ هل تلجئون إلى وسيط في المفاوضات؟ عندها فهمت أن العالم في الماضي كانت به قيادة أكثر كفاءة، يسار ويمين، أناس يفهمون كيف يناقشون سياسة خارجية”.

بعد سماع قصة دا سيلفا، سألته إذا شعر أن أوباما قد طعنه من الخلف، “لا”، كانت إجابته. “أعتقد، هل استقبلت يومًا هدية لم  تعرف ماذا تفعل بها؟”