يواجه آلاف اللاجئين السوريين في عموم تركيا – وفي مدينة إسطنبول بشكل خاص- الترحيل الجماعي  والإعادة القسرية إلى الأراضي السورية، وذلك على نحوٍ متزايد في الآونة الأخيرة، بعد أن سار استمرار بقاءهم في الأراضي التركية رمزًا لفشل سياسات الرئيس التركي رجب طيب إردوغان. ويأتي ذلك  الإجراء متزامنًا مع دخول الاقتصاد التركي في أزمة حادة جعلت البعض يرى اللاجئين عبئًا على الاقتصاد التركي.

لم تقتصر عمليات الترحيل على الرجال والشبان من اللاجئين السوريين، بل طالت أيضاً النساء والأطفال، بحسب العديد من شهود العيان، والذين قالوا، في تصريحٍ لآسيا تايمز، إنّ عناصر الشرطة التركية قامت بترحيل نساء سوريات مع أطفالهنّ إلى الأراضي السورية، حيث لاتزال الحرب مستمرة.

وتنتهي اليوم الثلاثاء المهلة الرسمية التي منحتها السلطات في إسطنبول  الذين لا يحملون إقامة قانونية في المدينة، لكن فعليًا وقبل انتهاء المهلة الممنوحة لهم كانت وتيرة عملية الترحيل قد بدأت وبشكل تزايد خلال الأسابيع الماضية.

وتقول أم عمر، وهي لاجئة سورية، تعرضت للترحيل القسري بتاريخ 19 يوليو/تموز 2019، إن الشرطة ألقت القبض عليها هي وطفلها البالغ من العمر أربع سنوات، في محطة المترو، أثناء توجهها مع طفلها إلى الطبيب.

“كنت أعلم أن هناك حملة لكنني ظننت أن الشرطة التركية لن تتعرض لي بما أنني إمرأة”.

لكن الشرطة في المترو كانت توقفجميع السوريين بلا تمييز بين نساء ورجال وأطفال. وشاهدت أم عمر الشرطة التركية وهي توقف إمرأة أخرى تحمل أوراق إقامة قانونية، وتسمى “كملك” ولكن في مدينة مختلفة.

ترك الشرطي المرأة التي شاهدتها أم عمر تمر، “ولكن بطريقة لئيمة جدًا  المترو لأنه مخصص للأتراك”.

أما أم عمر، فهي لا تمتلك أوراق إقامة في تركيا، إذ توقفت السلطات عن إصدارها بحلول 2018 حينما اضطرت إلى الهروب من بيتها في ضواحي دمشق.

وتحكي الأم السورية البالغة من العمر 35 عامًا أنه بعد القبض عليها برفقة إبنها، تم أخذها إلى قسم الشرطة،مضيفة : “وتمّ ترهيبي بالتوقيع على ورقة العودة الطوعية، حيث كانت عناصر الشرطة تتعمد ضرب الشبان أمامي في المخفر حتى أشعر بالخوف”.

وشاهدت أم عمر حوالي 18 إمرأة وأطفالهن يتم ترحيلهم معها إلى محافظة إدلب، حيث تنتشر عناصر تنظيم القاعدة الذي يحارب الجيش السوري والقوات الروسية الداعمة له.

“بكى الأطفال طوال الطريق لأنهم كانوا يريدون الطعام والماء، وكانت تتوفر منه كميات قليلة خلال الرحلة، والتي دامت ستة عشر ساعة، ولم يسمحوا لنا باستخدام الحمامات أو أخذ أي  إستراحة خلال هذه الفترة”.

“إستمارة عودة طوعية” تم عرضها لآسيا تايمز

فراق الأسر

رغم كبر سنه وملامحه الهرمة، لم يسلم أبو محمد – البالغ من العمر 50 عامًا – من بطش الشرطة التركية، حيث تم إلقاء القبض عليه في منتصف يوليو/تموز الماضي، وذلك أثناء ذهابه إلى عمله في إحدى معامل الخياطة.

وبعد انقضاء نحو عامين منذ لجوئه وزوجته إلى مدينة إسطنبول هربًا من مدينة حلب، وبتاريخ 17 يوليو/تموز، تم اعتقال أبو محمد في ساحة اسنيورت في مدينة إسطنبول، ثم رُحِل إلى محافظة إدلب، بدون زوجته التي بقيت في المدينة. 

في بداية الأمر، عندما تم أخذه إلى قسم الشرطة لينضم إلى سوريين  آخرين، لم يتوقع أبو محمد أن يتم ترحيله إلى منطقة حرب، لكن الشرطة جعلتهم يوقعون على استمارة عودة طوعية.

ويقول أبو محمد لآسيا تايمز: “طلبت منا الشرطة  التوقيع على ورقة كتب عليها باللغة العربية العودة الطوعية، فرفضنا بداية الأمر، لكنهم بدأوا بضرب الشباب ضربًا مبرحًا”، مضيفًا: “وبالنسبة لي فقد بقيت مصرًا على موقفي، فزوجتي في المدينة ولم أعتقد أنهم سيضربونني بسبب عمري  لكنهم ضربونني وأهانونني حتى أنهم طلبوا من شخص آخر أن يوقع عوضًا عني، وكانت النهاية أنّ رضخ الجميع ووقعوا على ورقة العودة الطوعية مجبرين”.

وعند تحويل أبو محمد وباقي السوريين في حوالي الساعة السابعة مساءًا، إلى سجن الأجانب “اليابنجي” في الشطر الآسيوي من مدينة إسطنبول، وجدوا الحافلات جاهزة كي تقلهم إلى محافظة إدلب.

وكما حدث مع أم عمر والسوريات الأخريات، حكى أبو محمد أن الماء والطعام الذي قُدِم إليهم أثناء الرحلة التي استمرت 17 ساعة كان قليلًا.

“كان خوفي يزداد شيئاً فشيئاً، وخاصةَ لدى اقترابنا من الجانب السوري الخاضع لسيطرة فصائل المعارضة، فأنا لا أملك أوراقي السورية – جميعها في المنزل”.

ويضيف أبو محمد، الذي يقضي حاليًا الليل في مسجد: “لقد تركوني برفقة الكثيرين لمصير مجهول، ولا أعرف ما عليّ فعله الآن، وخاصةً أنني لا أملك أي نقود أو ملجأ هنا”.

الجيران مخبرين

في السنوات التي لحقت اندلاع الحرب في سوريا منحت تركيا حماية مؤقتة لحوالي 3.6 مليون لاجئ سوري أي أكثر من إجمالي اللاجئين السوريين الذين استقبلتهم الدول الأوروبية مجتمعة.

لكن تزامنًا مع تدهور الاقتصاد التركي زاد التوتر بين الأتراك واللاجئين، وتراكم الإحباط العام من حكومة إردوغان، كما زاد التبرم أحيانًا من تنامي  دور الجيش التركي خارج البلاد.

وقال العديد من اللاجئين السوريين لآسيا تايمز، إنهم يعتقدون أن جيرانهم الأتراك كانوا يقومون بالإبلاغ على المنازل التي يقطنونها، في عدّة مناطق من مدينة إسطنبول.

ويؤكد سعيد البالغ من العمر 20 عامًا أنه هو وأصدقاءه الستة في منطقة زيتون بورنو ضحايا بلاغ عنهم من جيرانهم؟.

“في حوالي الساعة الثالثة صباحا من يوم 18 تموز/يوليو 2019، وبينما كنت استعد  للنوم من أجل الاستيقاظ باكرًا والذهاب إلى عملي في أحد معامل الخياطة، تمّ طرق باب المنزل بقوة، فشعرت بخوف كبير برفقة بقية الشبان”.

ويضيف سعيد أنهم سمعوا صوتاً يهددهم بخلع الباب، ما دفعهم إلى فتحه. 

“سألونا عن بطاقة الحماية المؤقتة، وباعتبار أنني لا أملكها قاموا بتوقيفي كما قاموا بتوقيف ستة من أصدقائي في السكن، بسبب عدم امتلاك بعضهم للكملك، وامتلاك البعض الآخر كملك مسجّلة في ولاية أخرى، كما أنّ أحدهم كان يملك كملك مسجلة في إسطنبول تحمل الرقم 98، لكنهم قاموا بتوقيفه معنا أيضاً نظراً لأنه لم يحدّث بياناته”.

تمّ نقل سعيد برفقة أصدقائه السبعة إلى مركز الشرطة في منطقة زيتون بورنو، حيث باتوا ليلة هناك، وكان تعامل عناصر الشرطة سيئاً جداً معهم، حيث تعرضوا للضرب والإهانة من قبل الشرطة. يقول سعيد: “وبعد ذلك قاموا بنقلنا إلى مطار صبيحة ونحن مكبلي اليدين بواسطة حزم بلاستيكية…كما كان هنالك 6 عناصر من الشرطة التركية، يقومون بضربنا وشتمنا طوال رحلة نقلنا إلى إدلب، لا أعلم ماذا فعلنا حتى تتم معاملتنا بهذه الطريقة”.

واتهمت منظمة هيومن رايتس ووتش السلطات التركية بإجبار السوريين على التوقيع على أوراق العودة الطوعية ثم إلقائهم في منطقة حرب، وذلك في تقرير صادر يوم 26 يوليو. 

ورصدت سلطات المعارضة السورية في حدود باب الهوى دخول ستة آلاف لاجئ سوري في شهر يوليو/تموز فقط.

وتؤكد الحكومة التركية أنها لا ترحل اللاجئين السوريين بغير إرادتهم. إذ قال وزير الداخلية التركي في شهر يوليو/تموز إن “من يقيم في إسطنبول وهو لا يملك حتى الآن أية إقامة و/أو كيملك (مخالف) فهو معرض للترحيل إلى بلده، كما أن المقيم بإسطنبول ومسجلًا كلاجئ أصلًا بولاية أخرى سوف يتم ترحيله كذلك إلى تلك الولاية”.

وعلى الرغم من تلك التصريحات أصيح اللاجئون السوريون يشعرون بالخطر لمجرد خروجهم من منازلهم. حتى أولئك الذين يعيلون أسرهم فضلوا خسارة وظائف في المدى القصير عن العودة إلى إدلب.

وكان النزاع قد اندلع في إدلب بين القوات السورية النظامية وعناصر الجيش السوري الحر بهدف السيطرة على منطقة مدينة إدلب وجبل الزاوية، وقد بدأت حرب إدلب في العاشر من مارس/آذار عام 2012 ولا زالت أحداثها مستمرة.